المدرقة الكركية… عندما ترتدي الملكة رانيا ذاكرة الكرك وتاريخ نسائها

النشرة الدولية – فاديا النوايسة –
لفتت جلالة الملكة رانيا العبدالله الأنظار بإطلالتها المستوحاة من المدرقة الكركية خلال مراسم خطاب العرش، في اختيار جمع بين أناقة الحاضر وأصالة الموروث الأردني، وأعاد تسليط الضوء على أحد أبرز رموز الزي النسائي التقليدي في جنوب المملكة.
وجاءت الإطلالة بتصميم معاصر استلهم ملامح المدرقة التراثية، مع لون بنفسجي وتطريزات ذهبية أضفت على الثوب حضوراً لافتاً، في مشهد أعاد الأزياء الشعبية إلى واجهة الاهتمام الثقافي والإعلامي.
واكتسبت الإطلالة أهمية إضافية، خصوصاً أنها جاءت بعد أقل من أسبوعين على الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وفق ما أوردته صحيفة «النهار». وهو توقيت أعاد المحافظة إلى واجهة المشهد العام في ظل حادثة مؤلمة طالت مكاناً للعبادة، وأضفى على حضور تراثها في مناسبة وطنية هذا المستوى من الاهتمام الإنساني والوطني.
وبعيداً عن تحميل الإطلالة رسائل غير معلنة، فإن استحضار المدرقة الكركية في مناسبة رسمية بهذا المستوى أعاد التذكير بأن الكرك ليست مجرد جغرافيا أو عنوان في الأخبار، بل ذاكرة وطنية غنية بتاريخها وتنوعها الاجتماعي والثقافي، وبأهلها الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الأردني.
لكن ما قصة هذا الثوب الذي انتقل من خزائن الجدّات إلى إطلالة ملكية؟ وما الذي يجعل المدرقة الكركية أكثر من مجرد قطعة أزياء؟
من ذاكرة الجدّات إلى أيقونة التراث
في الكرك، حيث تقف القلاع شاهدة على تعاقب الحضارات، وحيث تختزن الحجارة حكايات التاريخ والصمود، ثمة حكاية أخرى لا تقل حضوراً عن حكايات الماضي؛ حكاية ثوب نسجته أيادي النساء، وحافظت عليه الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل.
إنها المدرقة الكركية، إحدى أبرز العلامات المميزة للزي النسائي التقليدي في محافظة الكرك.
ارتبطت المدرقة بالمرأة الكركية في حياتها الاجتماعية واليومية، وكانت انعكاساً لبيئتها وعاداتها وذوقها في اللباس. لم يكن اختيار القماش والتفصيل والتطريز أمراً اعتباطياً، بل كانت لكل تفصيلة وظيفتها وجمالها، ولكل خيط حكاية تتناقلها النساء.
وتُصنع المدرقة التقليدية غالباً من الأقمشة الداكنة، ولا سيما الأسود، ومن خامات مثل الحَبَر والملس والديولين والمخمل. أما التطريز، فكان يعتمد في أصله على خيوط الحرير الملونة، ويُنفّذ يدوياً أو باستخدام الطارة، ليمنح الثوب شخصيته البصرية التي تميّزه عن غيره من الأزياء الشعبية الأردنية.
هندسة الثوب… جمال التفاصيل وسرّ الخصوصية
ما يجعل المدرقة الكركية مختلفة ليس لونها أو تطريزها وحدهما، بل طريقة تصميمها وتكوينها.
يتألف بناؤها التقليدي من قطعتين مستطيلتين تشكلان بدن الثوب من الأمام والخلف، تضاف إليهما قطعتان مثلثتان تُعرفان باسم «البنايق»، وتمتدان من منطقة الإبط باتجاه أسفل الثوب، إلى جانب الردنين اللذين يكتمل بهما شكل الزي.
وتُثبّت الردون من الخلف بواسطة رابطين يُعرفان باسم «الزناقان»، أحدهما قرب الرقبة والآخر أسفله، وقد تنال هذه الأجزاء نصيبها من التطريز أيضاً.
إنها تفاصيل تكشف عن معرفة متوارثة بفن الخياطة، وعن قدرة المرأة على تحويل متطلبات اللباس والاحتشام والحركة إلى تصميم يحمل جمالاً خاصاً وهوية لا تخطئها العين.
ماذا تحكي ألوانها ونقوشها؟
في المدرقة، لا يأتي التطريز ليكون زينة إضافية فحسب، بل يشكل جزءاً من روح الثوب. فالزخارف المستوحاة من الطبيعة، كالزهور والأوراق والسنابل، تمنح القماش الداكن حياةً وحضوراً.
وتبرز قيمة هذه النقوش في كونها امتداداً لفن التطريز الأردني الذي حمل عبر رموزه وأشكاله تعبيرات عن البيئة والذاكرة الاجتماعية والارتباط بالأرض.
ومع دخول الخرز وبعض الأساليب الحديثة إلى عالم التطريز، بقي خيط الحرير حاضراً في الذاكرة بوصفه جزءاً من الشكل التقليدي الأصيل للمدرقة الكركية.
المدرقة… هوية لا تختصرها الموضة
تغيّرت أنماط الحياة، وتبدلت الأذواق، ودخلت الأزياء الحديثة إلى تفاصيل الحياة اليومية، لكن المدرقة لم تفقد مكانتها في الوجدان الكركي. فما زالت حاضرة في المناسبات الاجتماعية والفعاليات التراثية، وتعود إلى الواجهة كلما أرادت المرأة الأردنية أن تحتفي بجذورها دون أن تتخلى عن أناقتها المعاصرة.
ولم تعد المدرقة محصورة في خزانة الجدّات أو في صور الماضي؛ بل أصبحت مساحة يلتقي فيها التراث بالتصميم الحديث، شرط ألا تضيع ملامحها الأصلية وسط الإضافات والتغييرات.
الكرك لا تُطرّز ثوباً… بل تحفظ ذاكرتها
إن الحفاظ على المدرقة الكركية لا يعني الاكتفاء بارتدائها في المناسبات أو الاحتفاء بها في الصور، بل يتطلب توثيق تاريخها، ودعم النساء والحرفيات اللواتي يتقنّ تفصيلها وتطريزها، ونقل أسرار صناعتها إلى الأجيال الجديدة.
فكم من حكاية تختبئ في خزانة قديمة؟ وكم من مهارة قد تضيع إذا لم تجد من يتعلمها ويحافظ عليها؟
إن المدرقة تستحق أن تكون جزءاً من مشاريع صون التراث، ومن منصات الأزياء الأردنية، ومن حضور الحرف التقليدية في الأسواق والمعارض والمهرجانات.
فالمدرقة الكركية ليست ثوباً نرتديه لنبدو من الماضي؛ إنها ماضٍ نرتديه كي لا ينسى المستقبل من نحن.
هي الكرك بخيوط الحرير، وهي المرأة الأردنية حين تجعل من البساطة أناقة، ومن التراث حضوراً، ومن الذاكرة هوية لا تُمحى.
وإذا كانت المدن تُعرف بمعالمها وحجارتها، فإن الكرك تُعرف أيضاً بثوب نسائها؛ ثوبٍ يقول، من دون ضجيج: هنا تاريخ، وهنا أصالة، وهنا أردن لا يتخلى عن جذوره.