من يحمي نوح زعيتر؟* سوسن مهنّا
النشرة الدولية –
يرفع حزب الله لواء “مكافحة الفساد”، وبمظهر زاهد وبشهية مضمرة للمناصب، يريد أن يدخل الى ربوع السياسة اللبنانية.
يعتبر حزب الله نفسه أنه تأخر لللحاق بركب السياسيين اللبنانيين، كانت همومه أبعد من حدود الوطن، وكانت أحلامه تمتد لتصل الحدود الفنزويلية، أما وقد تغيرت المعادلة الإقليمية، وتغيرت معها بوصلته، ها هو يلتف عائداً الى أرض الوطن من معارك عشوائية قادها لأهداف لا تمت بصلة لأهداف اللبنانيين وأوجاعهم، لكنه يعود مثقلاً بهموم كثيرة أولها وضعه على لوائح الارهاب بجناحيه السياسي والأمني في بريطانيا، مع إمكان تصاعد الحملات الدولية والأوروبية، بوصفه حزباً إرهابياً.
لا يمكن إعتبار مصطلح الفساد جديداً على أدبيات حزب الله وهو المتهم الاول به. ولا يمكن لأحد أن يعرف ما يعتمل في نفوس أهل الحزب، ولكن قد يكون البعض على إطلاع على ما يعتمل في نفوس بيئته ومناصريه.
واذا عدنا قليلا الى الوراء لعثرنا على كثير من حلقات هذا الهجوم الدفاعي المفرغ الذي يشنه الحزب الآن.
بداية ما حصل في منطقة حي السلم البيئة الحاضنة للحزب عندما أقدمت القوى الأمنية على إزالة أكشاك تجارية غير شرعية وما رافقها من اعتراضات وصرخات للأهالي وإحراق دواليب وإغلاق طرق، الكلام الذي صدر عن الناس وطريقة تعبير للبعض عن غضبه حينها، متهمين الحزب بسوق الشباب للموت في سوريا وتحذيرات السيد حسن نصرالله من الفتنة، ليقول أحدهم “هذه هي الفتنة يا سيد بحد ذاتها” بعدما اتهم حزبه بالتواطؤ على البيئة الحاضنة بعد كل الدماء التي قدمتها للحفاظ على لقمة العيش، كما عبر المتظاهرون.
وقد يتذكر البعض ابن أحد شهداء الحزب الذي كان قد سقط في سوريا، وما نشر على صفحته على الفيسبوك مهاجماً وزير الصناعة حينها الدكتور حسين الحاج حسن بعد ذهابه اليه طالبا وظيفة ومما جاء في المنشور: “معالي الوزير الممثل للمقاومة والممثل على شعبها لا نجده الا على موائد الفاسدين وتجار الممنوعات والخارجين على القانون، كما وأنه لا يخدم الا أبناء المسؤولين من أبناء جلدته ويعمل على توظيفهم في الوزارة كمستشارين وغير الوزارة في وظائف مريحة خوفاً عليهم من التعب والارهاق وكذلك أبناء رجال الأعمال، من ناحية أخرى كل من يقصده من عوائل الشهداء يريد انصافًا أو يطلب حقًا لا تجده الا فظا غليظ القلب لأنه لا يملك وقتًا للمستضعفين”.
ولم يكن خافياً على احد حالات التململ الكثيرة التي حصلت ضمن المحازبين والمناصرين ابان الانتخابات النيابية الماضية، في المناطق كافة وخاصة المناطق البقاعية، بعلبك والهرمل تحديداً، اتهم اهالي تلك المنطقة الحزب بالفساد وبمركزية القرارات والمساعدات، وتعتبر هذه المنطقة الخزان البشري للحزب وقدمت مختلف العائلات والعشائر مئات القتلى خلال الحرب السورية، مع معاناتها من الحرمان المزمن.
لم يكن خافياً على احد حالات التململ الكثيرة التي حصلت ضمن المحازبين والمناصرين ابان الانتخابات
وبعد ان كان الحزب يعتبر الانتخابات نزهة، قام بإستنفار كل طاقاته كي يحصد الاصوات، وهذا ما دفع بالسيد نصرالله ان يطل أكثر من مرة مستخدماً الخطابات التعبوية الحادة، ومتوجها الى أهالي بعلبك في خطاب عاطفي قائلاً: “حتى ولو تعرضت للخطر، ومهما كانت الأثمان، فإنني سأذهب بنفسي شخصيا لأتجول في قراكم ومدنكم وأحيائكم للسعي إلى إنجاح هذه اللائحة في حال رأينا أن الإقبال ضعيف على الانتخابات”.
بمعنى آخر استشعرت قيادة الحزب وسيدها خطر النقمة الشعبية بعد تصاعد روائح الفساد من داخل الحزب وقادته، ما دفع بالسيد وفي خطاب اعلان البرنامج الانتخابي وكي يطمئن جمهوره بالدرجة الأولى، أن يعلن انه سوف يحاسب الفاسدين في الحزب مبتدأً بنفسه: “فلنبدأ من انفسنا. الان في وقت لاحق وقريب، سنعلن من، وكيف، وما هي الالية، لكن سنبدأ من انفسنا، وانا اقول لكل الناس، ابدأ من عندي انا، امين عام حزب الله فلان الفلاني، الى وزراء حزب الله الى نواب حزب الله، اذا يوجد مدراء من حزب الله في الدولة، مع العلم اذا كان يوجد سيكون عددهم قليل جدا، رؤساء البلديات الذين هم حزب الله، او جيء بهم، يعني محسوبين على حزب الله، اي مسؤول في حزب الله، وانا اقول بأن تبداوا من عندي انا… وبعد ذلك، الذي يريد ان يواجه الهدر والفساد، اول شيء يجب ان يبدأ من عنده، من بيته الداخلي، من وزرائه، من نوابه، من رؤساء بلدياته، من قيادته، وهذا ما نحن سنلجىأ اليه، وهذه مهمة طبعا كبيرة وخطيرة رغم كل الحساسية الموجودة في الوضع الاقليمي، وانا اقول لكم هذا الاطار انا ساتابعه شخصيا رغم كل المشاغل الاخرى، لانه من الواضح اننا مام مرحلة خطرة وتحتاج الى تحمل مسؤولية استثنائية”.
لا يلام الحزب على مأزقه، وكعادته في مواقف كثير يستخدم الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع، مدفوعاً ب “المظلومية” التي يعيشها أهالي بيئته على يد من استقووا بسلطته على الناس، واستغلوا دماء الشهداء الذين سقطوا ويسقطوا في سوريا خدمة لمصالحهم ولتحقيق زعامات محلية وأمبراطوريات مالية.
لا يلام الحزب على مأزقه وكعادته في مواقف كثيرة يستخدم الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع
يحاول من خلال الاستعراضات “الإلهية” في مجلس النواب وعلى منابر الاعلام، ان يستبق مطالبات شارعه أولاً، قبل مسألته، عن جدوى تورطه في النزاعات الاقليمية وعن سبب ذهاب آلاف الشهداء الحزبيين وتيتيم وتشريد وترميل الآلاف في المقابل، وقبل مسآلة الدولة والحكومة عن تعريض مصالح اللبنانيين في حروب وتعهدات لدولة مثل إيران، يقول السيد: ” عندما تشن اميركا الحرب على ايران فانها لن تكون وحدها في المواجهة”، في تصرف بعيد كل البعد عن سياسة النأي بالنفسالتي اعتمدتها الحكومة ولمصلحة من ادخال البلد في نزاعات لا قدرة له على مواجهتها، كيف لمن عطل البلد لسنوات وعند كل استحقاق من رئاسة الجمهورية الى تشكيل الحكومة الى تعطيل عمل مجلس النواب وذلك منذ 2011 وحتى الآن، كيف لمن يسيطر على الحدود البرية والبحرية والمطار بأزلامه ان يتكلم عن الفساد السياسي والإداري؟؟ كيف لمن غطى مهربي المخدرات وآخرهم وليس آخراً، مداهمة مزرعة نوح زعيتر في البقاع، حيث عثرت القوى الأمنية على مصنع لتصنيع المخدرات، وصادرت كمية كبيرة من حشيشة الكيف قدّرت بنحو 20 شاحنة، كيف استطاع هذا الرجل ان يعمل بكل حرية لولا تغطيته، وهل كان بمقدور القوى الامنية مداهمة المكان لولا قرار سياسي من الحزب.
وأخيرا قبل التكلم عن 11 مليار دولار لما لا يسأل الحزب نفسه ويعاقبها كما فعل بالنائب المعاقب نواف الموسوي، لمصلحة من كان خوض الحرب المدمرة مع إسرائيل عام 2006، حيث أتت على اقتصاد البلد ودمرت بناه التحتية، كان من الأجدى ألا ندخل هذه الحرب من الاساس.
يستبق حزب الله المعادلات وينسى أنه حزب عسكري، وأنه غير مؤهل بعد لإدارة البلاد في الشأن الاقتصادي، عليه ان يخلع هذا الزي أولاً، كي يكون مقبولاً لبنانياً على الأقل، وان يبدأ بمحاسبة نفسه، وليكون الصوت والشعار صادقاً “نحمي ونبني” عليه أن يتوقف عن ممارسة إسقاطاته، يقول مثل عربي قديم:
“إذا أردت أن تغير ما بك من الكروب، فغّير ما أنت فيه من الذنوب”.
منقول عن السياسة اللبنانية