17 أيار
بقلم: غازي العريض

النشرة الدولية –

عقدت الجلسة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية في واشنطن منذ أيام. وصدر عن الوفدين اللبناني والاسرائيلي مباشرة وعن الخارجية الأميركية “المضيفة” “والراعي الرسمي للمفاوضات” كلام عن تمديد قرار وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً وإطلاق مسارات سياسية وأمنية بين لبنان واسرائيل وفق جداول زمنية معينة. وجوهر وخلفية وأبعاد كل العناوين: “نزع سلاح حزب الله”. كيف؟ نعم لتطبيق قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة والخلاف على: كيف؟ الجيش اللبناني قام بدور كبير. قطع شوطاً مهماً في هذا المجال. لم يدّع أنه أنجز المهمة بل أعلن، وكذلك فعل رئيس الجمهورية من موقعه المسؤول الأول في البلاد، أن ثمة عملاً كبيراً لا بد من استكماله، لأن ثمة أنفاقاً ومواقع ستظهر لا يعرف عنها شيئاً الجيش. “لجنة الميكانيزم” أشادت بالعمل. القيادة المركزية الأميركية الوسطى: أشادت بالعمل. مسؤولون أميركيون كبار قالوا: “أنجز الجيش خلال 5 اشهر ما لم ينجزه خلال 15 سنة”. حتى اسرائيل في مرحلة معينة اضطرت الى الاعتراف بما تحقق.

طالب الجيش بدعم وتوفير القدرات المطلوبة لاستكمال العمل. لم يقدّم له شيئ. تم تأجيل مؤتمر دعمه عدة مرات. شنّت حملات اتهام ضده وتشكيك بقيادته، داخلية وخارجية من دون أي مبرر سوى ان المطلوب هو الدم. الصدام بين الجيش والناس. استخدام القوة. وقد حقق ما حققه من دون اللجوء الى القوة. ولم تطلق رصاصة من الجانب اللبناني خلال 15 شهراً فيما استمرت اسرائيل بالقتل والتدمير والتفجير والتهجير والنهب. المطلوب استخدام القوة، استخدمتها اسرائيل ولم تنجح. ثم كانت الفضيحة في الجولة الثانية حيث بدا عجز تام أمام المسيّرات الانقضاضية وقلق واندفاع الى الأمام في الاحتلال والتوسّع والغاء كل معالم الحياة في المناطق المحتلة، وضياع أصبح مادة نقاش وتحميل مسؤوليات داخل اسرائيل نفسها. ثمة فشل في نزع سلاح حزب الله.

 

هيئة البث الاسرائيلية قالت منذ أيام: “القيادة في تل أبيب ارتكبت خطأ تاريخياً عندما خرجت للحرب ضد إيران دون أن تحسب حساباً للجبهة اللبنانية. حزب الله الذين زعموا أنه ضعف وبات في الحضيض يجرنا اليوم الى حرب لا نعرف ببساطة كيف سننهيها”. هنا نعود الى: الـ”كيف”؟ كيف سيتم حصر السلاح بيد الدولة بالقوة؟ ما أعلن في واشنطن عن تمديد قرار وقف إطلاق النار لا يحمل جديداً. لأنه لا يتحدث عن قرار بوقف النار بشكل نهائي تام وعام. تمديد القرار الحالي هو تمديد للوضع القائم تحت عنوان “حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، أي الاستمرار في تنفيذ ما تقوم به وهذا ليس وقفاً لاطلاق النار. الاستعداد للانتقال الى المرحلة الثانية عبر المسار العسكري: “التنسيق بين لبنان واسرائيل”، يعني بين الدولة “والمحتل” لتنفيذ القرار. وإعلانات وأحاديث عن خطط معدّة وتفاهم حول الهدف والعمل المشترك ونقاش حول الصيغة، وتسريب معلومات عن أفكار بفرض تشكيل قوة “منتقاة” من الجيش اللبناني تعمل الى جانب الجيش الاسرائيلي وبمساعدة أميركا لاتمام العملية بالتزامن مع تسريبات عن احتمال تدّخل سوريا على الحدود اللبنانية السورية.

من وجهة نظر اسرائيل: لن تقبل بعد كل المدى الذي بلغته حركة جيشها من لبنان الى إيران واليمن والعراق وسوريا وغزة والضفة بالتأكيد، أن يبقى الخطر قائماً على “باب بيتها” حيث لا أمن ولا استقرار وصرخات مستوطنين واتهامات وصواريخ ومسيّرات تهدّد الداخل أيضاً.

 

من وجهة نظر الطرف اللبناني الآخر: “فاجأنا اسرائيل وهي تعترف ولا خيار لدينا ولا شيئ نخسره. مستمرون في الحرب وجيش اسرائيل وقع في الفخ ويعاني استنزافاً والخسائر تتضاعف في صفوفه. لن نقبل اقتلاعنا من بيوتنا وتهجيرنا الى الخارج او الداخل ومنعنا من العودة”. الرهان طبعاً على إيران والمفاوضات الأميركية معها. في هذا السياق اسرائيل تسعى جاهدة لنسف المفاوضات، وشنّت هجمات جديدة وتعلن عن خطة متكاملة لمصادرة “اليورانيوم” وثمة فرقة خاصة للقيام بهذه المهمة عندما تعطى الإشارة الأميركية. الإشارة لم تأت رغم كل تهديدات ترامب. وإيران تبلّغ “الحزب” “لا حل من دون لبنان” هذا قرار نهائي يعرفه الأميركي “ومستعدون للحرب الشاملة وليتحمّلوا المسؤولية”. لبنان الرسمي: لا موقف موحداً. تباينات. تناقضات. اجتهادات مختلفة في إدارة المفاوضات في الداخل والخارج للخروج من المأزق وحسابات صغيرة ضيقة تتحكم بالأهواء والميول والقناعات والقرارات وهذه نقطة قوة أساسية بالنسبة لاسرائيل تتجاوز بتأثيرها السلاح خصوصاً بعد فشله في حسم المعركة.

فلنتصور، لا قدّر الله، مشهداً نرى فيه الجيش اللبناني الى جانب الجيش الاسرائيلي معاً في معركة واحدة. يبسّط بعضهم الأمر وكأنه سيكون مشهداً عادياً ويتأثر “بالعواطف” وبالتحريض الخارجي من قبل بعض العرب والأميركيين والضغط الاسرائيلي! وثمة من يتعامل بخفة كبيرة في قراءة مجريات المفاوضات وكواليس السياسة والدبلوماسية المواكبة لها فيسرّب معلومات “متفائلة” أو “خاطئة”، ويتجاهل “معلومات خطيرة ودقيقة” وهذا يناقض أصول العمل الدبلوماسي “وفن ومسؤولية وحنكة التفاوض”، فكيف مع عدو بارع صاحب اختصاص وخبرة عريقة على مدى عقود من الزمن ويعرف كيف يحضّر ملفاته، كيف يحاور ويناور ويكذب ويستفيد من نقاط ضعف الآخر، ويعمل على محاصرته وتطويقه من جهات مختلفة؟

أمام هذا الواقع، ثمة من يحاول زرع وهم في أذهان اللبنانيين: “لا أطماع لاسرائيل في الأرض اللبنانية”! في وقت يعلن فيه وزير المالية الاسرائيلي سموتريتش “أن الخط الأصفر سيكون الحدود الجديدة لاسرائيل وقد يتوسّع”! ويرفع بن غفير الصوت قائلاً: “نريد الاستيطان في لبنان ويجب عدم الخوف من الضغوط”! ويصرّ سفير أميركا نفسها في اسرائيل القس هاكابي على: “ثمة حق لاسرائيل بالسيطرة على أراض في لبنان وسوريا والأردن ومصر والسعودية وغيرها من الدول. هذا وعد إلهي”!

 

وثمة من يحاول أيضاً زرع فكرة أن اتفاق 17 أيار عام 1983 كان أرحم. ولو قبلنا به لكان أفضل. وذلك في سياق تحميل الفريق الذي أسقطه المسؤولية. لن أدخل هنا في التفاصيل لكن أقف عند ما أعلنه الرئيس أمين الجميل الذي كان في سدة المسؤولية آنذاك وكنا ضد حكمه وسياسته، وفي حرب مفتوحة كانت حرب الحروب، من حرب الجبارين: اميركا والاتحاد السوفياتي مروراً بدول في المنطقة وصولاً الى زواريب البلد وألاعيب السلطة والمصالح! الرئيس الجميل لم يوقّع الاتفاق رغم إقراره في الحكومة والمجلس النيابي. صحيح كان ضغط سوريا كبيراً وإصرار من قبل حلفائها على الغائه، لكن في مقابلة “شاهد على العصر” على محطة “الجزيرة” مع الإعلامي أحمد منصور شرح تفاصيل مهمة لم نكن نعرفها. “لقد وقّعت اسرائيل ولم أوقّع “. لماذا؟ طلبت من الموفد الأميركي الذي جاءني ممارساً ضغطاً كبيراً للاسراع بالتوقيع أن يوصل رسالة الى الرئيس الأميركي ريغان مضمونها: “أريد كتاباً شخصياً منه يؤكد فيه أنه سيستمر بالتزامه بلعب دور الوسيط. فإذا التزمت اسرائيل جيد وإذا لم تلتزم فإن ثمة التزاماً أميركياً بالوقوف الى جانب لبنان وحماية سيادته ووحدته …” ويضيف “جاء الكتاب لكن اسرائيل انسحبت من الاتفاق”. لماذا؟ “تبين ان الاسرائيلي وقّع ليس التزاماً بالاتفاق بل لأنه كان يريد ثمناً من الأميركيين والثمن هو رفع العقوبات التي فرضت بسبب تجاوز اسرائيل الاتفاق معها حول اجتياح جيشها لمسافة 40 كلم في الجنوب فقط”. يعني ذلك ان اسرائيل لم تكن تريد الاتفاق أصلاً كما هو رغم ما أخذته.

ما يطرح اليوم أخطر بكثير، والأخطر هو الانقسام الداخلي في ظل شبه تخلّ تام عن لبنان، وتخلّ في لبنان بسوء إدارة أو سوء إرادات ونيّات. أخشى أن نكون قد دخلنا في “متاهة”!

زر الذهاب إلى الأعلى