الضفة… وخطة الحسم وموعد الانتفاضة الثالثة!!
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –
ما شهدته بلدة تل جنوبي غرب نابلس، وما أعقبها من مواجهات دامية في محافظة الخليل، لا يمكن قراءته باعتباره سلسلة أحداث أمنية متفرقة، بل بوصفه مؤشرًا على انتقال الضفة الغربية إلى مرحلة أكثر خطورة. فالتصعيد المتزامن من جانب المستوطنين وجيش الاحتلال يوحي بأن إسرائيل لا تدير أزمة طارئة، بل تتحرك ضمن رؤية سياسية وأمنية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية ليكون أكثر اشتعالًا. ويفسر ذلك بوضوح نظرية “الدولة الاستيطانية”، والتي ترى أن المشروع الاستيطاني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا بما يضمن تفوقه على المدى الطويل. ومن هذا المنظور يصبح توسيع المستوطنات، وحماية البؤر الاستيطانية، وزيادة الضغط على الشعب الفلسطيني، جزءًا من مشروع سياسي يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة. وهنا تظهر أفكار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، المعروفة إعلاميًا باسم “خطة الحسم”، حاضرة في المشهد وبشدة. فهذه الرؤية تقوم على تكريس السيادة الإسرائيلية على الضفة، وتوسيع الاستيطان، والإجهاز التام على إمكانية قيام دولة فلسطينية. ومع ذلك، يبقى من الأدق القول إن التطورات الحالية تنسجم مع هذه الرؤية أكثر من الجزم بأنها تنفيذ حرفي لها.
أما من منظور نظرية الصراع في علم الاجتماع السياسي، فإن تصاعد المواجهات ليس مفاجئًا، لأن استمرار اختلال ميزان القوة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يولدان حالة احتقان تتراكم مع الزمن حتى تنفجر عند أول شرارة. لذلك لم تكن أحداث تل والخليل سبب الأزمة، بل كاشفة لها، حيث برز هنا دور قطعان المستوطنين المسلحين، والذين يملكون غطاءً أمنيًا وقانونيًا لممارسة كل أشكال التوحش، الأمر الذي جعل الحدود بين دور الجيش والمستوطنين أقل وضوحًا في كثير من مناطق الاحتكاك، وهو ما عزز ويعزز قناعة الفلسطينيين بأنهم يواجهون منظومة واحدة، لا جهات منفصلة.
أما نظرية الحرمان النسبي فتفسر جانبًا آخر من المشهد. فالانتفاضات لا تنشأ بالضرورة بسبب الفقر وحده، وهو عامل لم يكن سمة من سمات الحياة في الضفة الغربية يومًا، بل عندما يشعر المجتمع بأن حقوقه السياسية والوطنية تتراجع باستمرار، وأن الأفق المستقبلي يُغلق أمامه. ومع توسع الاستيطان، والاقتحامات المتكررة، وازدياد اعتداءات المستوطنين، تتزايد مشاعر الإحباط والغضب، وهي البيئة التي غالبًا ما تسبق الانفجارات الشعبية.
وبات السؤال الأهم اليوم: هل تقترب الضفة الغربية من انتفاضة ثالثة؟
لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات الميدانية تجعل هذا الاحتمال أكثر حضورًا. فالانتفاضة الأولى عام 1987 كانت انتفاضة شعبية واسعة، بينما اتسمت انتفاضة عام 2002 بطابع أكثر عسكرة. أما اليوم، فقد تبدأ شرارة الانتفاضة الثالثة من حادث عرضي أو موقف ما يكون بمثابة عود “الكبريت” الذي يشعل برميل البارود الشعبي. وتشير نظرية “تعبئة الموارد”، وتحديدًا لتشارلز تيلي، والتي ترى أن الاحتجاجات والثورات لا تعتمد فقط على حجم الغضب الشعبي، بل أيضًا على قدرة المجتمع على التنظيم، وتوافر القيادة، وشبكات التعبئة. وهنا يبرز عامل الانقسام الفلسطيني باعتباره أحد أهم العوامل التي قد تؤخر تحول الغضب الشعبي إلى انتفاضة شاملة، رغم اتساع أسبابها.
تدرك إسرائيل أن الضفة الغربية تمثل عمقًا أمنيًا بالغ الحساسية، ولذلك تسعى إلى فرض معادلة ردع تمنع تشكل بنية مقاومة واسعة فيها. لكن التاريخ يبين أن الإفراط في استخدام القوة قد يحقق نتائج معاكسة، إذ يؤدي أحيانًا إلى توسيع دائرة المقاومة بدلًا من احتوائها.
من قرية تل إلى الخليل، تبدو الضفة الغربية أمام لحظة مفصلية. وإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن السؤال لن يكون ما إذا كانت الضفة تتجه نحو انفجار، بل متى، وما إذا كان هذا الانفجار سيبقى محصورًا داخلها أم سيعيد رسم معادلات الصراع في المنطقة بأسرها.