كبار السن.. عن التجربة اليابانية والنموذج الكويتي
بقلم: أسرار جوهر حيات

على مدى سنوات، لدي قناعة راسخة ان المتقاعدين، وكبار السن، هم قوة اقتصادية، يمكنهم المساهمة الفاعلة بخبراتهم في سوق العمل، من جهة، بينما من جهة اخرى دمجهم من جديد في سوق العمل من خلال وظائف تناسب خبراتهم وظروفهم بمرونة، تزيد من جودة الحياة لديهم، فالانسان يشعر بقيمته متى ما كان منتجا.وعززت زيارتي الاخيرة لليابان هذه القناعة، ففي الوقت الذي تنظر فيه بعض المجتمعات الى التقدم في العمر باعتباره نهاية للدور الانتاجي للفرد، تقدم اليابان تجربة مختلفة في التعامل مع كبار السن، فتستفيد من خبراتهم وقدراتهم، فاليابان التي تعد اكثر دول العالم شيخوخة، لم تعد فيها الاستفادة من كبار السن مجرد خيار اجتماعي، بل ضرورة اقتصادية لمواجهة نقص القوى العاملة الشابة من خلال مبادرات مختلفة تسعى لدمج كبار السن في سوق العمل من جديد.
ولاحظت خلال زيارتي، لمرافق متعددة في اليابان ان هذا البلد يشجع كبار السن على استمرار العمل بعد التقاعد، في رسالة واضحة ان انتاجية الانسان لا تتوقف عند سن معين من خلال مبادرات تتيح فرصا للتوظيف الجزئي والمرن، الى جانب مراكز متخصصة لتوفير اعمال مناسبة للمتقاعدين، تعرف باسم مراكز الموارد البشرية الفضية Silver Human Resources Center.
ولا تقتصر التجربة اليابانية على الجانب الاقتصادي، بل تمتد الى اعادة تعريف مكانة كبار السن داخل المجتمع باعتبارها رصيدا بشريا قادرا على العطاء ونقل المعرفة والمساهمة في العمل التطوعي والانشطة المحلية، فتجد كبار السن يعملون في مجالات مختلفة كتنظيم السير، والاعمال الادارية، وغيرها، هذا فضلا عن وجود مراكز متخصصة تهتم بادق التفاصيل الصحية والاجتماعية لكبار السن وتتيح لهم ممارسة انشطة رياضية وحرفية والتعارف الاجتماعي، فعلى سبيل المثال، هناك مبادرات تقوم على تخصيص وسائل نقل عام للمتقاعدين وكبار السن، لنقلهم وفق جداول محددة لمراكز صحية ورياضية واجتماعية، حيث يتم الاهتمام بالفحص الدوري الصحي لهم، ومن ثم ممارستهم للانشطة الرياضية في هذه المراكز، فضلا عن تقضيتهم لأوقات في التعرف على الآخرين لزيادة نشاطهم الاجتماعي، بالتالي فإن هذه المبادرات وان كانت صحية، تسهم بشكل مباشر في انتاجيتهم متى ما تمت الاستفادة من طاقاتهم مجددا في سوق العمل.
وهذه التجربة تستحق التفكير، ففي عالم متطور، لم يعد ارتفاع متوسط الاعمار يعني ارتفاع اعداد المعالين اقتصاديا، فيمكن تحويل سنوات العمر الى سنوات من المشاركة والانتاج فتقدم العمر ليس عبئا، بل طاقة اقتصادية، خاصة ان الخبرة تشترى بالمال.
ويمكن لنا في الكويت الاستفادة من التجربة اليابانية في توظيف كبار السن، عبر الانتقال من مفهوم التقاعد بوصفه نهاية للحياة المهنية الى نموذج يتيح استمرار العطاء والاستفادة من الخبرات المتراكمة، خاصة في ظل وجود كفاءات وطنية تحمل ارثا من الخبرة في العمل الحكومي والخاص.
فعلى سبيل المثال، يمكن البدء بتطوير برامج للتوظيف الجزئي للمتقاعدين او الاستفادة منهم في تقديم استشارات مهنية وفنية، كل حسب خبرته وتخصصه، او في مجالات مثل التدريب والادارة والتعليم ونقل المعرفة الى الموظفين الشباب.
ويمكن كذلك انشاء قاعدة بيانات تتبع المؤسسة العامة للتأمينات، حيث تكون حلقة وصل بين الجهات التي ترغب بالاستفادة من خبرات المتقاعدين وبين المتقاعدين الذين يرغبون بمزيد من العطاء والعمل، كما يمكن الاستعانة بهم في المشروعات المختلفة واللجان الاستشارية، بدلا من خسارة هذه الخبرات بمجرد بلوغ سن التقاعد.
كما يجب ان تمتد التجربة لتشمل تعزيز المشاركة الاجتماعية لكبار السن، من خلال برامج تتيح لهم المساهمة في المبادرات المجتمعية والتطوعية والتعليمية، الى جانب تأسيس مبادرات تهتم بصحة المتقاعدين وتوفر لهم ممارسة انشطة مختلفة، اسوة بما تضمنته التجربة اليابانية او دول اخرى مجاورة في المنطقة، فدمج كبار السن من جديد في المجتمع ليس بدعة، بل واقع موجود ولم يعد ترفا، بل ضرورة لخلق مجتمع صحي ومنتج.
فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء بيئة تمنحهم خيار الاستمرار في العمل اذا رغبوا وكانوا قادرين، وتتعامل مع خبراتهم باعتبارها موردا يمكن ان يضيف قيمة للاقتصاد والمجتمع، لا مجرد مرحلة انتهى دورها بانتهاء الخدمة.