سيناريو توليد الفتن في الأردن
بقلم: ماهر أبو طير

قراءة العملية الإجرامية التي وقعت في الكرك متعددة الاتجاهات، ومن حيث المبدأ لا يختلف أحد على إدانة العملية واعتبارها طعنة غادرة في ظهر الأردن، قبل أن تكون موجهة لفئة من مواطنيه.
هذه التيارات هي ذاتها التي قتلت مسلمين أيضًا في تفجيرات فنادق عمان عام 2005، وما جرى في أحداث قلعة الكرك التي وقعت عام 2016 واستشهد فيها المقدّم سائد المعايطة ورفاقه، ويمكن تعداد حوادث أخرى، فضلًا عما نراه في الإقليم من حوادث تفجير لكنائس في سورية، وتفجير مساجد للشيعة في العراق وباكستان.
وعلى الرغم من أن الجريمة وقعت في كنيسة، بما يؤدي إلى إثارة حساسية مضاعفة، خصوصًا في بلد مثل الأردن يعيش فيه الجميع مواطنين بشكل طبيعي، وعلاقاتهم الاجتماعية طبيعية جدا، فإن علينا التنبه لدلالات الجريمة، وما الذي يراد إثارته في الأردن وسط مناخات الإقليم الخطيرة، وإعادة رسم المنطقة.
هذا توقيت يرتبط بمخططات لمسّ استقرار الأردن، واستدراجه إلى أي فتنة قد تقع على خلفية دينية، وربما يجري التخطيط أيضًا لفتن على أساس الأصول والمنابت؛ بما يعني أن الأردن بحد ذاته مستهدف على يد جماعات محلية، أو جهات خارجية لها ارتباطات أمنية تستغل الجماعات المحلية، والهدف هو التوطئة لخلخلة الأردن تحت شعارات مختلفة، تمهيدًا لإضعافه وإسقاطه لتسهيل تمرير مخططات كثيرة.
ستنكشف الصورة بعد قليل لنعرف ما إذا كانت المجموعة التي نفذت جريمة الكرك محلية فقط من حيث التوجيه والتمويل والتحريك، أم أن لها ارتباطات خارجية، والفرق بين الحالتين كبير؛ فإذا كانت محلية فقط، فهذا يستلزم النظر بشكل شمولي إلى ملف التطرف بأكمله، والعقلية التي تتجاوز جوهر الإسلام السمح وتنتج سلوكًا يبيح قتل المسيحيين كما المسلمين من قبلهم، وماهية الحلول الواجب اللجوء إليها.
أما إذا كانت المجموعة لها ارتباطات خارجية، فهذا يفتح الباب على ملف أوسع؛ يتمثل في عودة التنظيمات المتطرفة في المنطقة، وصحوة “داعش” وبقية التنظيمات، والفراغ الأمني في سورية والعراق، وما قد يستجد خلال الفترة المقبلة من احتمالات لتكرار مثل هذه العمليات في مواقع أخرى، والقدرة على استقطاب أردنيين أو جنسيات أخرى للعمل مع هذه التنظيمات. وهذا الاحتمال أخطر من الأول؛ لأنه يفتح الباب أيضًا على إدارة أمنية لأجهزة استخباراتية مختلفة في المنطقة لاختراق هذه التنظيمات، ودفعها لتنفيذ عمليات تحت عناوين براقة، في حين أنها تصب لصالح مخططات أخرى في الأساس، في وقت يمكن وصف البيئة الأمنية في المنطقة بأكملها بأنها هشة.
والأخطر هنا، أن تغذية الكراهية لا تجري من بعض الجهلة في الداخل الأردني فحسب، لأن مصدرها الأساسي يأتي من آلاف الصفحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية من خارج الأردن. والذين يقولون إن القصة مجرد تربية ذهنية لدى البعض في الداخل الأردني، لا يتنبهون إلى أن المغذيات تتدفق من خارج الحدود وعبر شبكة الإنترنت، بما يعني أن إطفاء التطرف والكراهية بحاجة إلى جهد أردني وعربي ودولي مشترك.
المسيحيون في الأردن ليسوا بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من أحد، فهم قبل كل شيء مواطنون لهم احترامهم بين بقية الأردنيين، وليس أدل على ذلك من رد الفعل الشعبي الذي شعر بالصدمة كالصاعقة بعد الجريمة.
الواجب اليوم بعد هذه العملية هو التنبه إلى أمر مهم جدا، أي تنبه الأردنيين إلى احتمالات الكيد مجددا من جهات مختلفة لإثارة أزمات داخل الأردن على خلفية دينية، أو على خلفية الأصول والمنابت، أو لأي سبب كان. والكل يدرك أن خطط إسرائيل لن تنفذ إلى الأردن ما لم تكن هناك توطئة داخلية من خلال بث الفوضى.
بعضنا لا يريد الإشارة إلى الطرف المستفيد من هذه الحوادث الغادرة، ويريد حصر العملية بالمسببات المحلية، وهو حر برأيه بطبيعة الحال، لكن علينا في المحصلة ألا نُغيّب اسم الطرف المستفيد في نقاشاتنا؛ لأن هذا الطرف مستفيد في كل الحالات، سواء كان الأب الشرعي لهذه العمليات، أو لأن العمليات وقعت وسيقوم بتوظيفها وفقا لأجندته، في منطقة تتداعى أركانها كل يوم تحت وطأة الأزمات.
ما الذي يريده اليمين الأوروبي والأميركي من هدية يوظفها في معاركه ضد المسلمين أكثر من جريمة كهذه، وقعت في بلد تفرد بعدم وجود اضطهاد أو استهداف ديني لمواطنيه؟
الأردنيون، مسلمون ومسيحيون، عقلاء ولن يسمحوا بتوليد الفتن على أي أساس