مئوية الدستور اللبناني: وطن نهائي بصيغ موقتة
بقلم: رفيق خوري

الدستور اللبناني ليس أول دستور عربي، كما يُقال في المجالس، إذ سبقه في النصف الثاني من القرن الـ19، دستور في مصر، لكنه الأكثر ثباتاً بين الدساتير العربية. فالدساتير تبدلت كثيراً في البلدان العربية بسبب الانقلابات العسكرية والثورات وسواها. أما جوهر الدستور اللبناني، فبقي على حاله خلال مئة عام، والتعديلات فيه اقتصرت على حذف مواد متعلقة بالانتداب الفرنسي وإلغاء مجلس الشيوخ. حتى التعديل الواسع الذي حدث بالقانون الدستوري عام 1990 بعد “اتفاق الطائف”، کرس المساواة في التمثيل النيابي والوزاري بين المسلمين والمسيحيين، ونهائية لبنان كوطن لجميع أبنائه، وإناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء بعدما كانت تناط برئيس الجمهورية. لكن النظام لم يتغير.
في عام 1926 قدّم ميشال شيحا إلى المجلس النيابي مسوّدة الدستور الأخيرة الخارجة من يد لجنة خبراء بالقول: “هذا دستور لبنان الرسمي، أما الدستور الحقيقي، فهو أن لبنان لا يُحكم إلا بالتسويات”. والتسويات تفرضها “إدارة العيش المشترك للتحالف اللبناني” في إطار معادلة على الطريقة اللبنانية هي في نص شيحا: “الخوف السياسي المتبادل، والمنفعة الاقتصادية المشتركة”. وهذه معادلة دقيقة جداً وخطرة تحتاج إلى عناية غير عادية على أيدي رجال دولة في بلد “من واجب العناية أن تصونه من العنف”، حسب قول منسوب إلى مستشار النمسا مترنيخ، استوحاه شيحا.

لكن التسويات متغيرة ومتحركة في حين أن العيش المشترك ثابت. فحين ينظر اللبناني في مئوية الدستور إلى الوراء يرى كثيراً من العنف في حروب محلية وإقليمية ودولية على أرض لبنان، وما لا حصر له من الصراعات والأزمات التي هزت إدارة العيش المشترك، بحيث كاد “التحالف اللبناني” أن ينفرط بدل أن يتطور ليصبح عقداً وطنياً واجتماعياً بين مواطنين، وإذا نظر حوله اليوم يجد نفسه “يعيش في عالمين أو أكثر في الوقت نفسه من دون أن ينتمي إلى أي منها” على حد ما كتبه ألبرت حوراني.
أما في التطلع إلى الأمام، فإن اللايقين هو السيد.

ذلك أن الدستور اللبناني ليس أول دستور عربي، كما يُقال في المجالس، إذ سبقه في النصف الثاني من القرن الـ19، دستور في مصر، لكنه الأكثر ثباتاً بين الدساتير العربية. فالدساتير تبدلت كثيراً في البلدان العربية بسبب الانقلابات العسكرية والثورات وسواها. أما جوهر الدستور اللبناني، فبقي على حاله خلال مئة عام، والتعديلات فيه اقتصرت على حذف مواد متعلقة بالانتداب الفرنسي وإلغاء مجلس الشيوخ. حتى التعديل الواسع الذي حدث بالقانون الدستوري عام 1990 بعد “اتفاق الطائف”، فإنه کرس المساواة في التمثيل النيابي والوزاري بين المسلمين والمسيحيين، ونهائية لبنان كوطن لجميع أبنائه، وإناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء بعدما كانت تناط برئيس الجمهورية. لكن النظام لم يتغير. فالمادة 95 التي جرى تعديلها عام 1943 ثم عام 1990 التي تعد “موقتة” لتمثيل الطوائف بصورة عادلة في انتظار تجاوز الطائفية وإلغاء الطائفية السياسية، فإنها لا تزال صامدة، لا بل أخذتها الممارسة في الاتجاه المعاكس من الطائفية إلى المذهبية. والنظام الطائفي المعلن هو في لبنان وأخيراً في العراق بعد الغزو الأميركي، لكن الواقع في معظم البلدان العربية هو أنظمة طائفية مستترة.

ففي العالم العربي أربعة أنواع من الدساتير. واحد ينص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام. وثانٍ على أن دين الدولة هو الإسلام. وثالث يكرس كون دين المواطن هو الإسلام. أما الرابع، فإنه الدستور اللبناني الذي لا نص فيه على دين الدولة. وأما ما يتميّز به عن بقية البلدان التي تحوي مجتمعات تعددية طائفياً ومذهبياً وإثنياً، فهو كونه البلد الذي تشارك فيه كل الطوائف والمذاهب والإثنيات في السلطة، إذ قال البابا يوحنا بولس الثاني إن “لبنان أکثر من بلد إنه رسالة” عيش مشترك للمنطقة والعالم.

في عام 1927 رد إميل إده على بشارة الخوري في المجلس النيابي قبل أن يصل كل منهما إلى الرئاسة بالقول: “لا نرى حاجة إلى التمثيل الطائفي في الوظائف ما دامت حقوق جميع الطوائف محترمة في البرلمان، لأن التقيّد بالطائفية في التوظيف يقتل الأهلية ويقضي على انتظام الأعمال”. وبعد 99 عاماً على هذا الموقف صار التمثيل الطائفي والمذهبي في الوظائف عرفاً أقوى من القانون. وحتى ما تُسمى الوزارات السيادية، أي الخارجية والدفاع والداخلية والمالية، فإن التمثيل فيها بات بعد “الطائف” محصوراً عرفاً بالسنّة، والشيعة، والموارنة، والأرثوذكس، بعدما كان مفتوحاً للجميع.

والسؤال في مئوية الدستور هو: هل صار النظام قبل التعديل الدستوري الأخير وبعده في “الطائف” خارج الواقع؟ أم أن اللبنانيين، وعملياً قادتهم، صاروا خارج الصيغة الدستورية؟ لكل سؤال في لبنان كالعادة أجوبة عدة. فمقابل مَن يرى أن المشكلة ليست في الدستور بل في الذين يحكمون باسمه، هناك مَن يسجل أعواماً طويلة من تعطيل الدستور أو تعليقه من دون إعلان. ومقابل مَن يرجع في القراءة إلى إدمون رباط، الفقيه الدستوري القائل، “إن الميثاق وجد كوظيفة في خدمة الهدف الدستوري، وعليه أن يؤدي إلى الاندماج الوطني الذي يمتص الخصوصيات الدينية والمناطقية، ويغذيه الحس الوطني المندفع إلى إقامة الدولة – الأمة”، هناك مَن يجعل “الميثاقية” أداةً في تعطيل الدستور والدولة عبر إعطاء كل طائفة أو مذهب “حق الفيتو” ضد أي قرار لا يرضي زعيم أي طائفة أو مذهب سياسياً كان أو مرجعية دينية.

ثم ماذا عن الخائفين من السلطة المركزية الشديدة الداعين إلى الفيدرالية، وهم يعرفون أن القضية مثل رقصة التانغو تحتاج إلى طرفين أحدهما رافض للفيدرالية الطائفية؟ وماذا عن الخائفين على المركزية و”اتفاق الطائف”، وهم يعيشون في “فيدرالية أمراء” كل واحد فيهم أقوى من السلطة المركزية؟ وماذا عن الفريق الذي يعمل من أجل “لبنان آخر” وسط عقبات يضعها هو وسواه أمام مشروع الدولة الوطنية، دولة المواطنة؟

عندما مثل شمعون بيريس أمام “لجنة فينوغراد” تحدث عن “لبنان الثالث” الذي يعمل له “حزب الله”. الأول هو “لبنان المسيحي”. والثاني هو “لبنان التعددي”. والثالث هو “لبنان الإيراني”. لكن الواقع أن لبنان المسيحي صار من الماضي بعد المتصرفية وفي لبنان الكبير مع أن الذي جاء به برعاية فرنسا، وهو البطريرك إلياس الحويك، قال: “بالنسبة إليّ لا يوجد في لبنان طوائف بل طائفة واحدة هي الطائفة اللبنانية”.

ولبنان الإيراني سقط مشروعه، على افتراض أنه كان ممكناً، حتى في عز فائض القوة لدى “حزب الله”. والباقي والممكن والضروري هو إجراء إصلاحات جذرية في لبنان التعددي.

والمسألة قبل الدستور ومعه هي الهوية التاريخية للبلد. فالكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، يقول: “نهتم بلبنان للحفاظ على هويته الفريدة”. والخطر على هذه الهوية الفريدة يأتي من أكثر من مشروع إقليمي أكبر من لبنان، وآخرها الخطر الإيراني المنحسر بعد تمدد.
لكن لبنان، مع كل مشكلاته ونواقصه إلى جانب إيجابياته، صمد أمام كل الأخطار، ورياح القوميات والإسلام السياسي. وبقي أن يتمكن هذه المرة من العمل الجدي بالفرصة التاريخية المفتوحة أمامه عربياً ودولياً.

زر الذهاب إلى الأعلى