الأمن الأردني ينعي شهيد الواجب السلايطة.. استشهاد وإصابة ضابط في هجوم إرهابي وسط عمّان

في تطور بالغ الخطورة يكشف أبعاداً جديدة في جريمة استشهاد العريف في الأمن العام جواد علي خلف السلايطة، تبيّن أن منفذ الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة الشهيد وأصاب ضابطاً من الأمن العام، سبق أن صدر بحقه حكم قضائي بالأشغال المؤقتة لمدة تسع سنوات، بعد إدانته في قضية إرهابية تضمنت التخطيط لاستهداف مركز أمن إربد الشمالي والترويج لأفكار تنظيم داعش الإرهابي.
وتضع هذه المعلومات القضية أمام أبعاد تتجاوز جريمة الاعتداء ذاتها، لتفتح تساؤلات قانونية وأمنية بالغة الأهمية حول المسار التنفيذي للمحكومية السابقة، وآليات التعامل مع المحكومين في قضايا الإرهاب، ومدى خضوعهم لإجراءات المتابعة والرقابة بعد انتهاء محكومياتهم أو الإفراج عنهم وفق الأصول القانونية.

جريمة غادرة في قلب العاصمة
وكانت مديرية الأمن العام قد أعلنت استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة، إثر تعرضه لاعتداء إرهابي غادر أثناء قيامه بواجبه الرسمي في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، ظهر الخميس.
وأوضح الناطق الإعلامي باسم المديرية أنه عند الساعة 12:20 ظهراً، أقدم أحد الأشخاص على مباغتة أحد رجال الأمن العام والهجوم عليه باستخدام أداة حادة وطعنه، الأمر الذي استدعى تدخلاً فورياً من إحدى الدوريات الأمنية، حيث تعامل طاقمها مع المعتدي وتمكن من السيطرة عليه وإلقاء القبض عليه.
وأضاف أن ضابط الدورية المسؤول تعرض لإصابة في وجهه نتيجة الاشتباك مع المعتدي، فيما جرى إسعاف الشهيد إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة متأثراً بإصابته، ونقل الضابط المصاب لتلقي العلاج، حيث وصفت حالته بالمستقرة.
وفي تفاصيل ميدانية نقلها مراسلو قناة المملكة، جرى تحييد المعتدي بعد اشتباكه مع رجال الأمن، فيما حال تدخل أحد العناصر الأمنية دون استيلائه على سلاح الشهيد، كما عُثر بحوزته على أسلحة بيضاء وخنجرين.
وأكدت مديرية الأمن العام أن التحقيقات الأولية أظهرت وجود نية وتخطيط لدى منفذ الهجوم لتنفيذ عمل إرهابي يستهدف رجال الأمن العام، فيما باشرت النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة إجراءات التحقيق في القضية.
سجل إرهابي سابق وحكم بالسجن تسع سنوات
وتكشف تفاصيل قرار قضائي سابق صادر عن محكمة أمن الدولة، وأيدته محكمة التمييز، أن منفذ الهجوم كان أحد ثلاثة أشخاص تورطوا في التخطيط لتنفيذ عملية إرهابية داخل الأردن، استهدفت مبنى مركز أمن إربد الشمالي، بعد تبنيهم أفكار تنظيم داعش الإرهابي والترويج لها.
وتعود جذور القضية إلى عام 2014، عندما بدأ أحد المتهمين بمتابعة أخبار التنظيم وإصداراته عبر الإنترنت، قبل أن يعمل على استقطاب صديقيه إلى أفكاره، حيث تطورت العلاقة بينهم إلى تبادل إصدارات التنظيم ومبايعة زعيمه.
وفي عام 2019، وبعد تعذر التحاق أحد المتهمين بالتنظيم في سيناء المصرية، اتجه إلى التخطيط لتنفيذ عملية إرهابية داخل المملكة، وطرح فكرة استهداف مركز أمني في إربد على أحد شركائه، الذي وافق على المشاركة في المخطط.
وأظهرت وقائع القضية أن المتهمين لم يكتفوا بالتخطيط النظري، بل توجهوا لمعاينة المركز الأمني المستهدف، ورصد إجراءات الحراسة وأعداد أفرادها وأماكن وجودهم، كما اتفقوا على توفير الأموال اللازمة لشراء أسلحة نارية من تجار السلاح في إربد لتنفيذ العملية.
وألقت الأجهزة الأمنية القبض على المتهمين الأول والثاني بتاريخ الثالث من شباط عام 2020، فيما ألقت القبض على المتهم الثالث في الخامس والعشرين من الشهر ذاته، قبل تنفيذ المخطط الإرهابي.
وفي السادس عشر من شباط عام 2022، أصدرت محكمة أمن الدولة حكمها بحق المتهم الذي نفذ الهجوم الأخير، وقضت بوضعه بالأشغال المؤقتة لمدة تسع سنوات عن جناية المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، إلى جانب أحكام أخرى عن تهمتي الترويج لأفكار جماعة إرهابية ومحاولة الالتحاق بجماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية.
ولم يرتض المتهم بالحكم، فتقدم بطعن أمام محكمة التمييز مطالباً بنقض القرار وتخفيض العقوبة، إلا أن المحكمة ردت الطعن بتاريخ السادس عشر من حزيران عام 2022، وأيدت الحكم الصادر بحقه.
وبحسب مدة الحكم وتاريخ بدء احتسابها في الثالث من شباط 2020، فإن المحكومية البالغة تسع سنوات كان من المقرر أن تمتد حتى عام 2029، وليس عام 2026، ما لم يطرأ تغيير قانوني على مدة التنفيذ أو تاريخ الإفراج عنه.
كيف عاد إلى استهداف رجال الأمن؟
هنا تتوقف القضية عند أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، ولا يمكن للرأي العام أن يتعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية.
كيف عاد شخص سبق أن أدين بجناية المؤامرة بقصد تنفيذ أعمال إرهابية، واستهداف منشأة أمنية، والترويج لأفكار تنظيم داعش، إلى تنفيذ اعتداء جديد يستهدف رجال الأمن العام وينتهي باستشهاد أحدهم؟
هل نفذ المحكوم مدة العقوبة كاملة وفق منطوق الحكم، أم طرأت إجراءات قانونية أثرت في مدة احتجازه؟
هل استفاد من إفراج أو تخفيض للعقوبة أو أي تدبير قانوني آخر؟ ومتى غادر المؤسسة الإصلاحية، إن كان قد غادرها؟
وهل خضع لأي برامج تأهيل أو متابعة أو رقابة تتناسب مع طبيعة الجرائم التي سبق أن أدين بها؟
إن طرح هذه التساؤلات لا يعني توجيه اتهامات مسبقة لأي جهة، ولا يفترض وجود مخالفة قانونية قبل التحقق من الوقائع، لكنه يمثل حقاً مشروعاً للرأي العام، وضرورة تفرضها خطورة الجريمة والنتيجة التي انتهت إليها.
دماء الشهيد ليست خبراً عابراً
إن استشهاد العريف جواد السلايطة ليس مجرد واقعة أمنية مؤلمة، بل جريمة تستدعي كشف الحقيقة كاملة، ومراجعة كل التفاصيل المتعلقة بالسجل القضائي السابق لمنفذ الهجوم، والمسار القانوني لمحكوميته، والإجراءات التي اتخذت بحقه.
فاستهداف رجل أمن أثناء تأدية واجبه هو اعتداء على أمن المجتمع وهيبة الدولة وسيادة القانون، ودماء رجال الأمن ليست مباحة، ولا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى أخبار عابرة تنتهي بانتهاء مراسم العزاء.
إن المطلوب اليوم هو توضيح رسمي شفاف للمسار التنفيذي للحكم السابق، والكشف عن ظروف وجود منفذ الاعتداء خارج المؤسسة الإصلاحية إن ثبت ذلك، وتحديد ما إذا كانت هناك ثغرات في الإجراءات أو المتابعة أو الرقابة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره وفق القانون.
فكيف يمكن للمجتمع أن يطمئن إذا كان شخص سبق أن أدين بالتخطيط لاستهداف مركز أمني يعود لاحقاً لاستهداف رجل أمن ويقتلَه؟
إن الأردن دولة قانون ومؤسسات، وهيبة القانون لا تكتمل بإصدار الأحكام القضائية فحسب، بل بضمان تنفيذها وفق الأصول، ومتابعة الملفات التي تستدعي ذلك قانونياً وأمنياً، ومنع تكرار الجرائم التي يدفع المواطن ورجل الأمن ثمنها من حياته وأمنه.
لا تساهل مع الإرهاب، ولا تهاون مع استهداف حماة الوطن، ولا يجوز أن تبقى الأسئلة المشروعة معلقة أمام خطورة ما حدث.
رحم الله الشهيد العريف جواد علي خلف السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، وشفى الضابط المصاب، وحفظ رجال الأمن العام، وصان الأردن وأهله من كل سوء.
دماء رجال الأمن أمانة، والحقيقة الكاملة حق للأردنيين، والمساءلة القانونية ضرورة لا تقبل التأجيل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
