الفن .. رافد سياحي واقتصادي

النشرة الدولية –
الدستور الأردنية – رنا حداد –

لم يعد المشهد الفني في الأردن خلال صيف 2026 مجرد سلسلة من الحفلات والمهرجانات التي تتوزع على خارطة المملكة، بل بدا أقرب إلى موسم ثقافي وفني متكامل أعاد رسم العلاقة بين الجمهور والفنان والمكان، وحوّل المدن الأردنية إلى منصات مفتوحة تستقبل الموسيقى والسينما والمسرح والتراث، وتستقطب في الوقت نفسه جمهورًا عربيًا يأتي إلى المملكة بحثًا عن ليلة فنية مختلفة، أو تجربة ثقافية، أو لقاء مباشر مع نجم ينتظر جديده منذ أشهر.

من جرش، حيث احتضنت المدينة الأثرية الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، إلى عمّان التي عاشت أسابيع متتالية من الحراك الفني والسينمائي والغنائي، وصولًا إلى الفحيص التي تستعد لاستقبال جمهورها في مهرجانها الثالث والثلاثين، تبدو الصورة هذا الصيف أكثر اتساعًا من فكرة «موسم حفلات». إنها حركة فنية ترافقت مع حركة في الشوارع والمطارات والفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأسواق، وأثبتت مرة أخرى أن الثقافة والفن يمكن أن يتحولا إلى قوة اقتصادية وسياحية حقيقية عندما تتكامل الفعاليات مع منظومة الخدمات والاستقبال والتنظيم.

الأردن.. مسرح مفتوح للفن العربي

كان مهرجان جرش واحدًا من أبرز عناوين هذا الصيف، إذ جاءت دورته الأربعون تحت شعار «إرث يمتد.. أجيال تلتقي»، وامتدت فعالياته من 23 تموز إلى 2 آب، بأكثر من 220 فعالية فنية وثقافية وتراثية وعائلية، وبمشاركات عربية ودولية واسعة.

وفي جرش تحديدًا، لا يكتمل المشهد عند حدود المسرح. فالفنان يغني في مدينة أثرية، والجمهور لا يأتي لحضور حفل فقط، بل يدخل في تجربة مكانية تجمع الموسيقى بالتاريخ، وتمنحه فرصة للتجول والتسوق وتناول الطعام وقضاء ساعات أطول في المحافظة.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لما بات يعرف بسياحة المهرجانات. لم تعد المهرجانات مجرد مناسبات ترفيهية.

بل أصبحت أداة لاستقطاب الزوار وإطالة مدة إقامتهم وزيادة الإنفاق على الإقامة والمطاعم ووسائل النقل والتسوق والخدمات المختلفة.

والأرقام المحلية في جرش قدمت مؤشرًا واضحًا على هذا الأثر، إذ بلغت نسبة إشغال المطاعم والنزل السياحية في المحافظة قرابة 85% خلال فعاليات المهرجان، وفق رئيس غرفة تجارة جرش، الذي أشار إلى امتداد الأثر الاقتصادي للمهرجان إلى قطاعات سياحية وتجارية متعددة.

من جرش إلى عمّان.. اتساع دائرة الحضور

وفي العاصمة، لم يكن المشهد أقل حيوية. فقد انطلقت فعاليات مهرجان صيف عمّان 2026 في حدائق الحسين وسط حضور جماهيري لافت، ضمن دورة حملت مزيجًا من الفعاليات الوطنية والثقافية والفنية والعائلية، فيما وفرت الجهات المنظمة مواقف ووسائط نقل لتسهيل وصول الجمهور. وفي الوقت نفسه، واصل «صيف الأردن» فعالياته في المحافظات، ضمن برنامج امتد من 26 حزيران حتى 28 آب، وضم 64 فعالية ثقافية وفنية وترفيهية مجانية، في محاولة لتوسيع دائرة النشاط الثقافي خارج العاصمة وربطه بالحركة السياحية والاقتصاد المحلي. وبذلك لم يعد الصيف الفني متركزًا في موقع واحد، بل أصبح موزعًا على شبكة من المدن والمحافظات، لكل منها جمهورها ومشهدها وخصوصيتها، وهو ما جعل الأردن يعيش حالة من الاستمرارية الفنية طوال أشهر الصيف.

السينما أيضًا في قلب المشهد

ولم تكن الموسيقى وحدها صاحبة الحضور. ففي عمّان، أخذ مهرجان عمّان السينمائي الدولي «أول فيلم» مساحة مهمة في المشهد الثقافي، عندما أقيمت دورته السابعة بين 26 تموز و3 آب تحت شعار «ما وراء الإطار»، بمشاركة عربية ودولية واسعة.

واختتم المهرجان دورته في جبل القلعة بحضور الأمير علي بن الحسين والأميرة ريم علي، معلنًا تسجيل أعلى نسبة حضور منذ انطلاق المهرجان، بعدما استقبل على مدى تسعة أيام صنّاع أفلام ومهنيين في الصناعة السينمائية وجمهورًا من الأردن والعالم العربي وخارجه.

وهنا يتسع تعريف «المشهد الفني الأردني» ليشمل السينما إلى جانب الغناء والمسرح والفعاليات الثقافية، بما يعكس قدرة المملكة على استقبال أنماط مختلفة من الجمهور والمهنيين والفنانين في موسم واحد.

كاظم الساهر.. أغنية تولد في عمّان

الشراكة مع القطاع الخاص اتت ثمرها أيضًا في رسم المشهد الفني في صيف 2026 حيث برزت حفلات بعينها تجاوز صداها حدود المسرح، لأنها حملت معها مفاجآت فنية جديدة. ففي 20 آب، وقف كاظم الساهر أمام جمهوره في عمّان ضمن فعاليات  Amman Live Nights 2026، وفي يده مفاجأة لم تكن مجرد أغنية جديدة، بل عمل أراد أن يختبره مباشرة مع الجمهور.

الساهر طرح أغنيته «أتت» رسميًا في اليوم نفسه عبر قناته والمنصات الرقمية، ثم قدمها على المسرح في عمّان بعد نحو ساعة فقط من إطلاقها، في لحظة بدا فيها الجمهور الأردني وكأنه أول جمهور عربي يستمع إلى العمل حيًا بعد ولادته الرقمية. هذه التفاصيل تمنح الحفل معنى مختلفًا. فالمكان لم يكن مجرد محطة في جولة غنائية، وإنما أصبح جزءًا من قصة الأغنية نفسها.

أن تُطلق أغنية عبر المنصات الرقمية، ثم تنتقل بعد وقت قصير إلى المسرح، يعني أن الفنان بات قادرًا على صناعة لحظة فنية مشتركة بين الإصدار الإلكتروني والأداء الحي، وأن الجمهور الذي حضر الحفل لم يكن فقط يستمع إلى أغنيات يعرفها، بل كان شريكًا في استقبال جديد الفنان للمرة الأولى.

وقد شهد حفل الساهر حضورًا جماهيريًا كبيرًا، إذ أشارت تقارير محلية إلى حضور نحو ثمانية آلاف شخص، في ليلة امتزج فيها القديم بالجديد واستعاد الجمهور عددًا من أشهر أغنيات القيصر.

وائل كفوري.. «محبوبي» من عمّان إلى الجمهور العربي

ولم يبتعد وائل كفوري كثيرًا عن الفكرة نفسها. ففي 22 آب، كان الجمهور الأردني على موعد مع الفنان اللبناني في عمّان، لكن الحفل حمل بدوره حدثًا فنيًا جديدًا. فقد قدم كفوري أغنيته «محبوبي» كاملة للمرة الأولى أمام الجمهور، بعدما سبق أن شوق إليها من خلال مقطع قصير ظهر فيه مرتديًا الشماغ الأردني. وبذلك أصبحت عمّان مرة أخرى مساحة لإطلاق جديد فني أمام الجمهور العربي، لا مجرد محطة لحفل اعتيادي.

اللافت في تجربة كفوري أن الأغنية ارتبطت بالمكان قبل أن تصل إلى المسرح، من خلال ظهوره بالشماغ الأردني والترويج للعمل بالتزامن مع اقتراب موعد الحفل، قبل أن تأتي لحظة تقديمها كاملة أمام الجمهور في العاصمة.

وهكذا، وفي غضون أيام قليلة، وجد الجمهور نفسه أمام تجربتين متقاربتين في الفكرة ومختلفتين في الأسلوب: كاظم الساهر يطرح «أتت» ثم يغنيها على المسرح بعد وقت قصير، ووائل كفوري يقدم «محبوبي» للمرة الأولى كاملة في عمّان. ولعلها واحدة من أكثر الصور دلالة على المكانة التي باتت تحظى بها العاصمة الأردنية في أجندة الحفلات العربية، وفي قلب الفنان العربي أيضًا.

وراء كل حفل كبير قصة أخرى لا تظهر على المسرح

إنها قصة الجمهور القادم من خارج الأردن. فالحفلات التي تستقطب أسماء جماهيرية كبيرة لا تجذب فقط من يشتري تذكرة ويدخل إلى موقع الحفل، بل تحرك سلسلة كاملة من الخدمات تبدأ من السفر والوصول إلى المملكة، وتمتد إلى الإقامة والتنقل والمطاعم والمقاهي والتسوق والزيارات السياحية. وهذا ما يجعل الحفل الفني حدثًا اقتصاديًا متعدد الأثر.

فمع كل ليلة غنائية كبيرة، هناك مسافر يبحث عن تذكرة طيران، وعائلة تحجز غرفة فندقية، ومجموعة أصدقاء تستأجر سيارة أو وسيلة نقل، ومطعم يستقبل زبائن إضافيين، ومقهى يعيش ساعات إضافية من الحركة، وسائق يعمل لساعات أطول، ومواقع سياحية تستفيد من وجود الزائر الذي جاء أساسًا من أجل الحفل لكنه لا يغادر الأردن بالضرورة بعد انتهاء الأغنية الأخيرة.

وتكتسب حفلات نجوم مثل كاظم الساهر خصوصية إضافية في هذا الجانب، بسبب امتداد قاعدتهم الجماهيرية إلى العراق والدول العربية المجاورة. فحين يأتي الجمهور إلى عمّان لحضور فنان عراقي بحجم كاظم الساهر، تتحول الحفلة إلى سبب مباشر للسفر، خصوصًا بالنسبة للجمهور الذي يفضل الجمع بين الحضور الفني والإقامة في الأردن والاستفادة من عطلة قصيرة. الأمر ذاته ينطبق على جمهور الفنانين اللبنانيين والعرب الذين يحظون بقاعدة جماهيرية واسعة في المنطقة.

حفلات كاظم ووائل وادم والعديد من نجوم العرب أصبح فيها عمّان نقطة التقاء لجمهور عربي متعدد الجنسيات، وأصبحت الحفلة جزءًا من برنامج زيارة كامل، وليس حدثًا منفصلًا.

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على قطاع النقل، من الرحلات الجوية إلى خدمات النقل الداخلي وسيارات الأجرة والسيارات الخاصة والحافلات التي تنقل الجمهور إلى مواقع الفعاليات.

وفي هذا السياق، تظهر أهمية شركات النقل والناقل الوطني «المليكة الأردنية» في دعم قدرة الأردن على استقبال هذا النوع من السياحة المرتبطة بالفعاليات، إلى جانب جاهزية البنية التحتية والخدمات في المواقع التي تستضيف الحفلات.

ومن أكثر القطاعات ارتباطًا بموسم الفعاليات قطاع الفنادق. فالزائر الذي يأتي من خارج المملكة لحضور حفلة لا يحتاج إلى تذكرة فقط، وإنما إلى مكان إقامة وتنقل وطعام وبرنامج للوقت الذي يسبق الحفل أو يليه. وهذا يجعل نسبة الإشغال الفندقي واحدة من المؤشرات المهمة عند تقييم الأثر الحقيقي للموسم الفني.

المعادلة نفسها تنطبق على المطاعم والمقاهي والأسواق. فالجمهور الذي يغادر المسرح لا يغادر المدينة، يحتاج إلى الطعام والشراب، وقد يبحث عن مقهى أو مطعم للقاء الأصدقاء، وقد يختار بعد الحفل زيارة أحد الأماكن السياحية أو قضاء ليلة إضافية في المدينة.

الأمن العام..

ومع هذا الحجم المتنامي من الفعاليات الفنية والثقافية، والحضور الجماهيري الكبير الذي تستقطبه الحفلات والمهرجانات، يبرز الدور الكبير الذي يضطلع به جهاز الأمن العام في توفير البيئة الآمنة التي تتيح للجمهور أن يعيش هذه الفعاليات بكل طمأنينة وراحة. فنجاح أي موسم فني لا يقاس فقط بجودة الحفلات وأسماء النجوم، وإنما يرتبط كذلك بقدرة الجهات المعنية على إدارة الحشود وتنظيم حركة السير وتأمين مواقع الفعاليات ومداخلها ومخارجها، والتعامل مع مختلف الظروف والمتطلبات الميدانية التي ترافق هذا الحضور الكبير.

الأمن العام.. حضور  متواصل يحمي فرح الأردن

وفي هذا المشهد، واصل رجال الأمن العام عملهم على مدار الساعة، وبحضور ميداني يمتد إلى مختلف مواقع الفعاليات والطرق المؤدية إليها، ضمن جهود تنظيمية وأمنية متواصلة تواكب حركة المواطنين والزوار القادمين من داخل المملكة وخارجها. ويشمل هذا الجهد تنظيم حركة المركبات، وإدارة الحشود، وتسهيل وصول الجمهور ومغادرته، وتأمين محيط مواقع الفعاليات، إلى جانب الاستجابة السريعة لأي طارئ، بما يضمن انسيابية الحركة ويحافظ على أمن وسلامة الجميع.

وتزداد أهمية هذا الدور في المواسم التي تشهد تزامن عدد كبير من الفعاليات في أكثر من مدينة، وما يرافقها من كثافة مرورية وحضور جماهيري واسع، الأمر الذي يتطلب جاهزية عالية وتنسيقًا مستمرًا بين مختلف الوحدات والجهات المعنية.

ولا يقتصر هذا الجهد على حماية مواقع الحفلات، بل يمتد ليعكس صورة الأردن أمام ضيوفه وزواره، فالأمن والأمان هما أول ما يبحث عنه الزائر في أي وجهة سياحية أو ثقافية، وهما عنصران أساسيان في بناء الثقة وتعزيز التجربة السياحية وتشجيع الزائر على العودة مرة أخرى. وعندما يستطيع آلاف الأشخاص حضور حفلاتهم ومهرجاناتهم.

والتنقل بين المدن والمواقع السياحية خلال موسم مزدحم، فإن وراء هذه الصورة الهادئة عملًا متواصلًا وجهدًا كبيرًا لرجال الأمن العام الذين يؤدون واجبهم بعيدًا عن خشبة المسرح، لكنهم جزء أساسي من نجاحها. ومن هنا، يستحق جهاز الأمن العام، بمختلف مرتباته ووحداته، الشكر والتقدير على هذا الجهد المتواصل، وعلى الحضور الذي يرافق الفعاليات ويحمي تفاصيلها، وعلى الدور الذي يضطلع به في الحفاظ على أمن المواطنين والزوار وسلامتهم، ليبقى الأردن كما عرفه ضيوفه، بلدًا آمنًا ومرحبًا، قادرًا على احتضان الفرح والفن والثقافة في أجواء من الطمأنينة والاستقرار.

الفحيص تتهيأ لمواصلة الحكاية

وبينما أسدل مهرجان جرش الستار، وانتهت الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي، ومع مغادرة نجوم العرب وتواصل فعاليات صيف الأردن حضورها حتى نهاية آب، تتجه الأنظار إلى الفحيص التي تستعد لاستقبال الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجانها. وقد أنهى نادي شباب الفحيص استعداداته لاستقبال الفعاليات، مع استكمال الترتيبات التنظيمية والأمنية والخدمية لضمان راحة الزوار والمشاركين.

في الدورة التي تتحمل شعار «الأردن تاريخ وحضارة»، وتجمع بين الفن والثقافة والتراث والفعاليات الاجتماعية، بما يحافظ على شخصية المهرجان التي جعلت منه واحدًا من أبرز المحطات الثقافية في الصيف الأردني.

شخصيات عامة وصنّاع فن في قلب المشهد

ولم يكن الحضور الجماهيري هو وحده اللافت هذا الصيف. فالمهرجانات الأردنية والحفلات استقبلت شخصيات عامة وفنانين ومخرجين وصنّاع أفلام وكتّابًا ومثقفين من الأردن والعالم العربي،  وهذا الحضور يضيف للمشهد بعدًا مهنيًا يتجاوز الترفيه، إذ تصبح الفعاليات مساحة للقاءات والتعاونات والنقاشات وتبادل الخبرات، وتتحول عمّان وجرش والفحيص إلى أماكن للقاء بين الفنانين والجمهور وصناعة الثقافة.

ختامًا، الأردن لا يستضيف الحفلات فقط.. بل يصنع لحظاتها ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم في قراءة صيف الأردن الفني لعام 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى