مسابقة دولية في دمشق تستعيد بريق المديح النبوي

تنطلق من دمشق مسابقة البردة الشامية الدولية للمديح النبوي، بوصفها مبادرة ثقافية تجمع الشعراء والمهتمين بهذا الفن من مختلف دول العالم الإسلامي، وتسعى إلى إعادة المديح النبوي إلى واجهة المشهد الأدبي المعاصر، عبر تشجيع التجارب الشعرية التي تستلهم قيم الرحمة والمحبة والسلام.

وتأتي المسابقة بمبادرة من وزارة الثقافة السورية بالتعاون مع منظمة ‘الإيسيسكو’، في إطار توجه يربط الإبداع الأدبي بصون التراث الثقافي وإتاحة المجال أمام المواهب الجديدة للتعبير عن رؤيتها للمديح النبوي بلغة شعرية حديثة، مع الحفاظ على أصول القصيدة العربية ومكانتها الفنية.

وتطمح أهداف المبادرة إلى تعزيز حضور اللغة العربية وآدابها في الفضاء الثقافي الإسلامي، واكتشاف أصوات شعرية شابة، وفتح قنوات للتواصل بين المبدعين من البلدان العربية والإسلامية، فضلاً عن توثيق جانب مهم من التراث الأدبي والفني المرتبط بالمديح النبوي.

وأوضح رئيس دائرة النشاط الثقافي في وزارة الثقافة وائل الأسود، في تصريح لـوكالة الأنباء السورية ‘سانا’، أن اختيار عبارة ‘ريم على القاع’ في الملصق الرسمي للمسابقة يستحضر مطلع قصيدة ‘نهج البردة’ لأمير الشعراء أحمد شوقي، التي عارض بها بردة الإمام البوصيري الشهيرة في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويحيل هذا الاختيار إلى تقليد أدبي راسخ في الشعر العربي، عرف باسم المعارضة الشعرية، حيث يعمد شاعر إلى محاكاة قصيدة سابقة في الوزن والقافية والموضوع، مع تقديم رؤيته الخاصة وتجربته الفنية.

ومن هذا التقليد تستمد ‘البردة الشامية’ جانباً من هويتها، لتقدم صيغة معاصرة لفن شعري يمتد تاريخياً عبر قرون من الإبداع العربي والإسلامي.

وقال الأسود إن المسابقة تمثل امتدادا حديثا لهذا الإرث، وتتيح للشعراء في العالمين العربي والإسلامي فرصة التنافس في أحد أبرز أغراض الشعر العربي، ضمن إطار يوازن بين أصالة الموضوع وتنوع الأساليب الشعرية المعاصرة.

وتستقبل المسابقة القصائد المكتوبة باللغة العربية الفصحى، سواء جاءت وفق نظام الشعر العمودي أو شعر التفعيلة، على أن تتناول صفات النبي وسيرته، وأن تستوفي شروط السلامة اللغوية والعروضية، وأن تكون من إبداع صاحبها ولم يسبق نشرها ورقياً أو رقمياً أو تقديمها إلى مسابقة أخرى.

ويُسمح لكل شاعر بالمشاركة بقصيدة واحدة، على ألا يقل النص العمودي عن 20 بيتا ولا يتجاوز 30 بيتا، بينما تتراوح قصيدة التفعيلة بين 25 و35 سطرا. وترسل المشاركات بصيغة ‘وورد’ إلى البريد الإلكتروني الرسمي للمسابقة، مرفقة ببيانات الشاعر وصورة عن وثيقة شخصية وسيرة ذاتية مختصرة، ويستمر استقبال الأعمال حتى 20 تشرين الأول المقبل.

وأوضح الأسود أن القصائد ستخضع لمعايير وضوابط محددة سلفا، بينما يجري إعداد قاعدة بيانات تستبدل أسماء المشاركين بأرقام قبل إحالة النصوص إلى لجنة التحكيم.

وبذلك يطلع المحكمون على النصوص من دون معرفة أصحابها، بما يسمح بتركيز التقييم على القيمة الشعرية والفنية ومدى التزام القصائد بالمعايير المعلنة.

ويمر الاختيار بمرحلتين؛ تتولى في الأولى لجنة متخصصة فرز المشاركات ودراستها من الناحيتين العلمية والفنية، قبل اختيار عشرة نصوص للمرحلة النهائية.

وفي المرحلة الثانية، تتولى لجنة تحكيم دولية تحديد أصحاب المراكز الثلاثة الأولى.

وتبلغ قيمة الجائزة الأولى 20 ألف دولار، فيما يحصل صاحب المركز الثاني على 10 آلاف دولار، والثالث على 5 آلاف دولار. كما ينال بقية المتأهلين إلى المرحلة النهائية، وعددهم سبعة، جائزة مالية قدرها ألف دولار لكل شاعر، إلى جانب جائزة تقديرية.

ومن المقرر أن تعلن النتائج خلال حفل ختامي تستضيفه دار الأوبرا في دمشق خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بحضور ممثلين عن وزارة الثقافة و’الإيسيسكو’، إلى جانب شخصيات أدبية وفكرية من العالم الإسلامي.

ويتضمن البرنامج عند إعلان أسماء الفائزين، حفلا فنيا مستوحى من السيرة النبوية والتراث الثقافي لمدينة دمشق.

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت إطلاق المسابقة خلال الدورة الأولى من مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، التي أقيمت مطلع أغسطس/ آب الجاري، في خطوة تأتي استكمالاً للاهتمام المتزايد بهذا اللون الأدبي.

ويأتي ذلك بعد تنظيم مهرجان أيام البردة الدولي العام الماضي في دمشق وحمص واللاذقية وحلب، بمشاركة شعراء ومفكرين سوريين وعرب، بما يشير إلى توجه نحو بناء مساحة ثقافية مستدامة للمديح النبوي، تتجاوز حدود الفعالية الموسمية لتصبح جسرا بين التراث والإبداع المعاصر.

ومن دمشق، تسعى ‘البردة الشامية’ إلى استعادة تقليد شعري عريق وإعادة تقديمه أمام أجيال جديدة، واضعة القصيدة العربية في مواجهة تحدي التجديد، ومراهنة على قدرة الشعر على الحفاظ على صلته بالتراث، مع فتح المجال أمام أصوات جديدة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى