بناء القدرات… عندما يصبح الإنسان مشروعاً وطنياً
بقلم: د. محمد الجبور –
د. الجبور – كاتب وباحث

النشرة الدولية –
لم تعد معركة الدول والمؤسسات في عصرنا الحديث معركة موارد وإمكانات فقط، بل أصبحت قبل كل شيء معركة عقول وقدرات وكفاءات. فالدولة التي تمتلك الثروات ولا تمتلك الإنسان القادر على إدارتها قد تخسر مواردها، والمؤسسة التي تمتلك المال ولا تمتلك الكفاءات ستبقى عاجزة عن صناعة الإنجاز.
ومن هنا يأتي مفهوم بناء القدرات باعتباره مشروعاً وطنياً واستراتيجياً، وليس مجرد دورات تدريبية أو شهادات تُضاف إلى الملفات.
بناء القدرات الحقيقي يبدأ من سؤال جوهري: ماذا نريد أن نصنع من الإنسان؟
هل نريده موظفاً ينفذ التعليمات فقط؟ أم نريده إنساناً يمتلك القدرة على التفكير والتحليل والمبادرة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية؟
إن الفرق بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات التي تتعثر في مسيرتها ليس دائماً في حجم الموارد، وإنما في قدرتها على تحويل الإنسان إلى طاقة منتجة، وتحويل المعرفة إلى قرار، وتحويل القرار إلى إنجاز.
من التدريب إلى صناعة الكفاءة
أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو اختزال بناء القدرات في إقامة ورشة أو دورة تدريبية ثم اعتبار المهمة قد انتهت.
بناء القدرات عملية متكاملة تبدأ باكتشاف المواهب، وتحديد نقاط القوة والضعف، ووضع برامج تطوير حقيقية، ثم قياس النتائج ومراجعتها باستمرار.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة “التدريب من أجل التدريب” إلى ثقافة “التدريب من أجل التغيير والإنجاز”.
فليس المطلوب أن يحمل الإنسان عشرات الشهادات، وإنما أن يمتلك القدرة على حل مشكلة، وإدارة فريق، وقيادة مشروع، والتعامل مع الأزمات، واستخدام التكنولوجيا، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
القيادة تبدأ من بناء الإنسان
لا يمكن بناء مؤسسات قوية بعقلية تخشى المبادرة أو تعتبر الخطأ نهاية الطريق.
القائد الحقيقي لا يبحث عن أشخاص تابعين له، بل يصنع أشخاصاً قادرين على الوقوف إلى جانبه، ثم بعد ذلك قادرين على الوقوف بدونه.
وهنا تكمن أهمية تفويض الصلاحيات وتمكين الشباب وتأهيل الصف الثاني؛ لأن المؤسسة التي تعتمد على شخص واحد قد تنجح مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تضمن الاستدامة.
أما المؤسسة التي تبني قيادات متعددة، فإنها تستطيع مواجهة التغيير والأزمات والاستمرار مهما تغيرت الظروف والأشخاص.
الشباب… الثروة التي لا يجوز إهدارها
إن الحديث عن بناء القدرات يجب أن يضع الشباب في مقدمة الأولويات.
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تحتاج إلى برامج ترفيهية أو مناسبات موسمية، بل هم قوة وطنية واقتصادية واجتماعية يجب الاستثمار فيها.
نحن بحاجة إلى شباب يمتلكون مهارات المستقبل: التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، ريادة الأعمال، الإدارة، الإعلام، الاتصال، التفكير النقدي، والعمل التطوعي، إلى جانب منظومة القيم والانتماء والمسؤولية.
والأهم من ذلك أن نعطيهم الفرصة.
فلا قيمة لتأهيل شاب ثم إغلاق أبواب المشاركة أمامه.
التمكين الحقيقي يبدأ عندما نثق بالإنسان ونمنحه مساحة ليجرب ويبدع ويتحمل المسؤولية.
بناء القدرات مسؤولية مشتركة
لا تستطيع الحكومة وحدها بناء القدرات، ولا تستطيع الجامعات وحدها، ولا القطاع الخاص، ولا مؤسسات المجتمع المدني.
نحن بحاجة إلى شراكة وطنية تجمع الدولة والجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والشباب، لتأسيس منظومة متكاملة تستثمر في الإنسان منذ المدرسة وحتى سوق العمل والقيادة.
وهنا يمكن لمؤسسات المجتمع المدني والأندية والجمعيات أن تلعب دوراً مهماً، ليس فقط من خلال تقديم الخدمات، وإنما من خلال صناعة المتطوع القادر، والقائد المجتمعي، وصاحب المبادرة.
معيار النجاح هو الأثر
يجب أن نعيد تعريف النجاح.
ليس النجاح بعدد الدورات التي أقيمت، ولا بعدد الشهادات التي وُزعت، ولا بعدد الصور التي التُقطت.
النجاح الحقيقي هو أن نرى شخصاً تغيرت قدراته، وشاباً أصبح قائداً، وفريقاً أصبح أكثر كفاءة، ومؤسسة أصبحت أكثر إنتاجية، ومجتمعاً أصبح أكثر قدرة على مواجهة تحدياته.
هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها:
هل ما نقوم به يصنع أثراً حقيقياً؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نبني المستقبل. وإذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نعيد النظر في أدواتنا وأساليبنا.
الإنسان أولاً
في النهاية، يمكن للدول أن تستورد التكنولوجيا، وأن تبني المصانع، وأن تطور البنية التحتية، لكنها لا تستطيع أن تستورد العقل القادر على إدارة كل ذلك.
ولهذا فإن بناء القدرات ليس ترفاً إدارياً ولا شعاراً مؤقتاً، بل هو أمن اقتصادي واجتماعي ومؤسسي، واستثمار مباشر في مستقبل الوطن.
فالأوطان لا تبنى بالحجارة وحدها، والمؤسسات لا تبنى بالأنظمة وحدها، والمستقبل لا تصنعه الأمنيات.
المستقبل يصنعه إنسان مؤهل، وقيادة واعية، ومؤسسة تؤمن بالمعرفة، ومجتمع يمنح أبناءه فرصة حقيقية للعطاء.
ومن يريد أن يبني وطناً قوياً، فعليه أن يبدأ من الإنسان.
د. محمد الجبور
كاتب وباحث